المنظومة
كيف يصل دولار النفط من نيويورك إلى نافذة مصرف في بغداد، وأين تتراخى الرقابة في كل حلقة.
الحلقة قصيرة وكل وصلة فيها موثّقة. وفهمها شرط لقراءة كل ما يليها.
العراق دولة ريعية بالمعنى الدقيق: تأتي الغالبية الساحقة من الإيراد الاتحادي من مبيعات النفط، وتُسوّى تلك المبيعات بالدولار. تبيع شركة تسويق النفط (سومو) النفط الخام إلى مصافٍ في الخارج، ويدفع المشترون بالدولار في حسابات حكومية عراقية لدى بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك — وهي تاريخياً الحساب المعروف بـ IRAQ2، خلف ترتيبات صندوق تنمية العراق المنشأ بقرار مجلس الأمن 1483 لسنة 2003 والمحصّن من الحجز بالأمر التنفيذي الأميركي 13303.
تلك الدولارات ملك لوزارة المالية، غير أن الدولة تدفع الرواتب والتقاعد والعقود بالدينار. لذا تبيع الوزارة الدولارات إلى البنك المركزي العراقي وتتسلّم مقابلها ديناراً مُصدراً حديثاً. يصبح الدولار عندئذ بيد البنك المركزي، وعليه أن يضخّه في الاقتصاد بصورة منظمة. ويفعل ذلك عبر بيع يومي يسميه الجميع المزاد، والأدق أن يسمى النافذة: تقدّم المصارف المجازة طلباتها، إما نقداً أو حوالات إلى الخارج نيابة عن مستوردين، فيزوّدها البنك المركزي بالدولار بالسعر الرسمي المعلن.
التصميم دفاعيّ نظرياً. فبنك مركزي يملك احتياطيات أجنبية كبيرة يبيعها بسعر ثابت دفاعاً عن العملة، والسعر الثابت هو مرساة الاستقرار النقدي. لكن مكمن الهشاشة في موضع آخر: النفاذ. فالمصارف المجازة وحدها تشتري بالسعر الرسمي، وحجم ما يناله كل مصرف يتوقف على تخصيص البنك المركزي وعلى الوثائق التي يقبلها، أما سعر السوق خارج النافذة فتحدده ظروف لا تتحكم بها النافذة.
وحين يتباعد السعران — بفعل قيود العرض الدولاري، أو ارتفاع الطلب على العملة الصعبة، أو تشديد البنك المركزي لضوابط الامتثال — يصير الفرق قيمة قابلة للتحويل، تؤول إلى صاحب التخصيص لحظة الشراء. وطلب حوالة مسنود بفاتورة عن بضاعة لا تصل يحوّل التخصيص إلى دولارات في الخارج؛ يبقى الدينار في العراق ولا يبقى الدولار، ويتحقق الفرق بين السعرين ربحاً.
في 2014 نظّم الاحتياطي الفدرالي ووزارة المالية العراقية علاقة الحساب بمذكرة تفاهم؛ ومنذ تشرين الثاني 2022 فرض الاحتياطي الفدرالي تدقيقاً مسبقاً على الحوالات الخارجة من الحساب العراقي، فارتفعت نسب الرفض ارتفاعاً حاداً. وذلك التغيير الإجرائي وحده أوضح دليل على ما صارت إليه النافذة: حين دُقّقت الأوراق قبل حركة المال، توقّف جزء كبير من الطلبات.
الحلقة، وصلةً وصلة
- 01سومو
يُباع الخام إلى الخارج
تبيع شركة تسويق النفط الخام العراقي إلى مصافٍ أجنبية، والتسوية بالدولار الأميركي.
مواطن الانكشاف الموثّقة في هذه الوصلةالتسعير وتخصيص الشحنات وكميات زيت الوقود الخارجة من البصرة بحراً موضع نتائج تهريب مستقرة (انظر الفصل 05، المرحلة 01).
- 02الاحتياطي الفدرالي
تصل الدولارات إلى نيويورك
تُقيَّد العائدات في حسابات الدولة العراقية لدى بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وهي الترتيب الخلف لصندوق تنمية العراق المنشأ بقرار مجلس الأمن 1483 (2003) والمحصّن بالأمر التنفيذي 13303.
مواطن الانكشاف الموثّقة في هذه الوصلةسلف هذا الحساب في حقبة سلطة الائتلاف موضوع نتيجة المساءلة عن 8.8 مليار دولار وعمليات النقل الجوي لـ 12 مليار دولار نقداً المسجلة في محاضر الكونغرس الأميركي.
- 03وزارة المالية
تبيع وزارة المالية الدولار للبنك المركزي
تحتاج الدولة إلى الدينار للرواتب والعقود، فتبيع دولاراتها إلى البنك المركزي وتتسلّم ديناراً مُصدراً حديثاً.
مواطن الانكشاف الموثّقة في هذه الوصلةالسعر الذي تُقيَّد به هذه العملية الداخلية يحدد كم ديناراً تتسلمه الموازنة، وقد غُيّر مرتين بقرار لا بحركة سوق (كانون الأول 2020، شباط 2023).
- 04النافذة
يبيع البنك المركزي الدولار للمصارف المجازة
في كل يوم عمل تشتري المصارف المجازة الدولار بالسعر الرسمي، نقداً أو حوالات إلى الخارج لحساب مستوردين. هذا هو المزاد.
مواطن الانكشاف الموثّقة في هذه الوصلةالنفاذ تخصيص لا سوق. وقد سُندت طلبات الحوالة بوثائق دقّقها الاحتياطي الفدرالي لاحقاً ورفض منها على نطاق واسع؛ ومُنع أربعة عشر مصرفاً من التعامل بالدولار في تموز 2023.
- 05السوق
سعر السوق يحدد الرقم الثاني
خارج النافذة تتعامل شركات الصرافة والمستوردون بسعر لا يحدده البنك المركزي. والمسافة بين السعرين هي الفرق الذي يقيسه هذا الملف.
مواطن الانكشاف الموثّقة في هذه الوصلةيؤول الفرق إلى صاحب التخصيص لحظة الشراء، قبل استيراد أي بضاعة.
المصادر: قرار مجلس الأمن 1483 (2003)؛ الأمر التنفيذي الأميركي 13303؛ مذكرة التفاهم بين بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك ووزارة المالية العراقية (2014)؛ محاضر جلسات الكونغرس الأميركي (govinfo.gov)؛ بيانات البنك المركزي العراقي التوضيحية كما نقلتها وكالة شفق نيوز.